خلال حوار طويل مع الزميل نيشان عبر الرسائل النصية، حول الصحافة الصفراء، وحدود الخبر وخصوصيات المشاهير، توقف فجأة عن الإجابة وكتب لي: “بدي غدّي أمي”. أي: أريد أن أطعم أمي.
.بالنسبة لي، هنا تحديدًا كان الخبر.ليس الخبر أن نيشان مذيع ناجح، هذا يعرفه الناس. وليس أنه مثقف، أو واسع الاطلاع، أو يتقن اللغات، أو صاحب تجربة طويلة في الإعلام. كل ذلك معلومات معروفة، مكررة، ويمكن العثور عليها في عشرات المقابلات والسير المنشورة عنه.لكنني لم أكن أعرف أن نيشان، وسط يومه وانشغالاته وحواراته، يوقف كل شيء لأنه يريد أن يطعم أمه.هنا ظهر أمامي نيشان الذي لا يظهر على الشاشة.وهنا أيضًا أصل الخلاف بيننا حول مفهوم الخبر.
اقرأ: نضال الأحمدية: سلاف فواخرجي حضورها واقي مثل ماجدة الرومي تُنسب إلى اللورد نورثكليف، المقولة الصحافية الشهيرة: إذا عضّ كلب رجلا فليس ذلك خبرًا، أما إذا عض رجلٌ كلبًا فهذا خبر.
الخبر ليس تكرار المعلوم والمتوقع، بل التقاط ما يخرج من العادي ليكشف شيئًا لم نكن نعرفه.و«بدي غدي أمي» جملة صغيرة جدًا، قد تمر على الكثيرين، لكنها لا تمر على صحافية ولا صحافي مثلي، ثلاث كلمات قالت لي عن نيشان أكثر مما قد تقوله صفحات كاملة من سيرته الكاملة.اللافت ليس أن رجلًا يحب أمه، فهذا ليس خبرًا. اللافت أن الابن الذي نراه في موقع الرجل المشغول دائما، الناجح، صاحب المواعيد والالتزامات، يمارس في حياته اليومية دورًا معاكسًا للصورة التقليدية، التي نحملها منذ الطفولة: لم تعد الأم هي التي تطعم ابنها، صار الابن هو الذي يطعم أمه وليس اي ابن، بل هو نيشان، وليس اي نيشان، بل ذلك الطفل الذي لم يكبر يهرول إلى المطبخ يجهز الصينية لأمه ويجلس أمامها ويطعمها. في هذه الجملة انقلاب كامل في الزمن. الأم التي أطعمت، تُطعَم والابن يطعم أمه! هذه غير موجودة عند الأبناء لأنه ربما لا يعممونها باعتبارها خصوصية (فاك خصوصية) اذا كانت تحرم الجماهير من ابهى صورة انسانية على الإطلاق.الرجل الذي كان يناقشني في تعريف الصحافة الصفراء، أعطاني دون قصد مثالًا حيًا على نوع الصحافة التي أدافع عنها: البحث عن الإنسان المختبئ خلف
الشخصية العامة.وهنا أسأل: هل نشر هذه الجملة اعتداء على خصوصيته؟برأيي، لا تكمن المسألة في أن المعلومة «صغيرة» أو «شخصية»، بل في ماذا نفعل بها. هناك فرق هائل بين أن نفتش في حياة إنسان لنفضحه بشكل سلبي، تصفية حسابات، او لنفضحه بما يخدم الجماهير.
اقرأ: لبنان في التوراة لماذا ذكر اكثر من سبعين مرةأنا لا أريد أن أعرف ماذا يوجد في بيت نيشان، ولا ماذا يقول حين يغلق بابه، ولا أسرار عائلته التي اختار ألا يشاركها. لكن عندما يقول لي ببساطة: «بدي غدّي أمي»، فإن الصحافية داخلي ترى ما وراء الكلمات الثلاث: علاقةً تبدلت فيها الأدوار مع الزمن، ومسؤولية ابن تجاه أمه، وإنسانًا غلب للحظة صورة الإعلامي.هذه، بالنسبة إليّ، ليست «صحافة صفراء».بل ربما نقيض ما عرفوا الصحافة الصفراء به. لذا أكتب: «نيشان أوقف الحوار ليُطعم أمه». لأن الخبر أحيانًا لا يسكن في التصريحات الكبيرة.يسكن في جملة عابرة كتبها صاحبها وهو يعتقد أنها لا تستحق أن تُكتب.

