وكنت صغيرة جدا حين شهدت غياب المستشفى، وحلول مستوصف الضيعة مكانه، وتكاتف صبايا الضيعة لتأمين اللوازم والخدمات، في حين كان الشباب يؤمنون الحماية للأهالي نيابة عن البوليس الذي بالكاد نعرفه.وقبل بضع سنوات، زار ابني لبنان وقال لي جملة لا أنساها: “اللبناني ذكي جداً؛ في أزمة السير ومع غياب الإشارات الضوئية، الكل يتفاهم عبر أضواء السيارات، فيتغامزون ويمررون بعضهم البعض عند ‘الرونبوان’ دون أن يؤدي غياب الإشارة إلى كارثة”.
اقرأ: الأم المهملة كيف تموت
التكاتف: نحن فعلاً نقود سياراتنا على الأوتوسترادات، وتقف عشرات السيارات على التقاطعات دون إشارات سير، وإن وجدت فلا تعمل بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، ورغم ذلك نتعامل مع بعضنا بذكاء استثنائي، وحس تعاوني لحل المشكلة في دقيقة واحدة على طرقات بيروت اليتيمة.
شعب بلا دولة: نحن شعب بلا دولة، ووطن بلا مؤسسات فاعلة. نحن أمة تعرضت للاستباحة والتدخلات من كل القوى الإقليمية والدولية؛ بدءاً من الانتداب الفرنسي الذي أرسى الشكل الأول للدولة على الحجم الذي أراده البطرك حويك، وتنفيذاً لقواعد اللعبة الطائفية، وصولاً إلى الوصايات والاحتلالات المتعاقبة منذ عام 1948 (الفلسطيني، السوري، الإسرائيلي، والأميركي).
هذه الاستباحة المتواصلة جعلت سلطات الدولة مجرد أدوات تشارك المحتل وتتحول إلى خدام لديه. أضف إلى ذلك السياسات الأوروبية والدولية منذ عام 2011 التي ضربت المؤسسة الوحيدة الباقية، وهي المدرسة الرسمية، التي طُرد منها طلابنا لصالح النازحين السوريين وليس لأهداف انسانية بل لمصالح قذرة، وتجلت بالشراكة الضمنية التي دمّرت ما تبقى من هيكل الوطن ما يجعل لبنان مكبا عند الغرب واولهم فرنسا التي يدعي البعض من اللبنانيين انها الام الحنون.
العائلة هي “الدولة البديلة”: التكيف مع القهرشطارة اللبناني ليست سوى سلوك دفاعي وتكيفي فرضته ظروف تاريخية قاهرة. أمام هذا الواقع المرعب، لم يسقط اللبناني ولم يتسول، بل ابتدع حيلته الخالصة للبقاء: صنعت كل عائلة مؤسساتها البديلة عن الدولة.تحولت كل عائلة لبنانية إلى “دولة قائمة بذاتها” تؤمن لنفسها الكهرباء، الماء، الغذاء (المونة)، والأمان عبر التكافل العائلي والاجتماعي. هذا الاعتماد المفرط على النواة العائلية أنتج قدرة هائلة على الصمود والتأقلم الفردي، لكنه في المقابل أسقط المهارات الجماعية.
كيف انعكست الفردانية على المشهد الثقافي والاجتماعي؟
احتضار المؤسسات الجامعة: غياب المسرح القومي، وتراجع دور الكونسرفتوار والأنشطة الموسيقية الكبرى وغيرها كلها غير موجودة واهمها المدرسة والجامعة التي اصبحت ملكًا للتاجر وسقطت المدرسة والجامعة ارسمية.
- المبادرات الفردية كبديل يتيم: حتى التجارب الاستثنائية مثل المسرح الرحباني لم تكن مشروع دولة، بل عاشت بمبادرة فردية جبارة من الأخوين رحباني، فلما غابا انهار الهيكل لعدم وجود حاضنة مؤسساتية.
- مؤسسات الإقطاع والدكاكين: تفشت ظاهرة الجمعيات والنقابات التي تعيش على المحاصصة والزبائنية، وتحولت إلى إقطاعيات ضيقة تشكل امتداداً لفساد الزعيم، مما ينفر المبدعين ويجبرهم على الفرار.
- الشبه مع جنوب إيطاليا: ماذا يخبرنا علم الاجتماع؟
هذه الديناميكية تجعل لبنان شديد الشبه بـ جنوب إيطاليا ومجتمعات مثل الأرجنتين. في إيطاليا برز التناقض الصارخ بين إبداع الفرد الذي ينشئ عالمياً أهم دور الأزياء، وبين العجز التاريخي للدولة عن إدارة القطاع العام.وقد فسر علماء الاجتماع والاقتصاد هذه الظاهرة عبر نظرية (رأس المال الاجتماعي المنخفض). يوضح المفكر فرنسيس فوكوياما في كتابه (الثقة)، أن المجتمعات التي تفتقد الثقة بمؤسسات الدولة تحصر ثقتها فقط بالعائلة والدائرة الضيقة، مما يمنع قيام تكتلات جماعية ضخمة.أنقذت الإنسان والوطن لا الدولةاللبناني لم يفشل في العمل الجماعي، بل خاف وتعلم ألا يثق بالجماعة عندما تكون الجماعة مجرد غطاء لفساد السلطة أو ساحة لاقتتال الآخرين. لقد أنقذت الفردانية اللبناني كإنسان وضمنت استمراريته، لكنها قتلت مشروعه كـ “وطن” ومؤسسة.

