غادة السمان: لماذا نقيم الأعراس باكرًا؟في مقالتها «زواج على الطريقة الصينية»، تروي اللبنانية، من أصول سورية، غادة السمان، أن شخصًا اعتذر لأنه تأخّر عامين في تهنئتها بزواجها. فأجابته بأن تهنئته جاءت مبكرة ثمانية عشر عامًا!ثم تقول:«لا أؤمن بأنّ الزوجين يستحقان التهنئة إلاّ بعد أن يتمّ حقًّا، أي بعد أن تمر عليه ٢٠ سنة من الزمالة الإنسانيّة الحقيقيّة».
اقرأ: ملف أصالة نصري في قضية تعاطيها المخدرات من الألف إلى الياءبهذه المفارقة، تضع غادة السمان عادة اجتماعية كاملة، أمام سؤال لم نعتد طرحه:
على ماذا نهنّئ العروسين؟ على قرار اتّخذاه، أم على علاقة نجحا في بنائها؟نقيم العرس قبل أن نعرف ماذا سيحدث بعده. نشتري الثياب، ونختار الموسيقى، ونرتّب المقاعد، ونتجادل حول الطعام والزهور والصور.
يصبح لكل تفصيل في الاحتفال مسؤول، فيما تظلّ الحياة التي سيعيشها الإثنان بعد مغادرة الضيوف مجهولة.وأجمل ما في فكرة غادة السمان أنها تعيد التهنئة إلى معناها: أي الاعتراف بشيء تحقق. فالنجاح في إقامة حفلة لا يخبرنا كثيرًا عن القدرة على إقامة حياة.فقط لأننا صنعنا ليلة مبهرة/عرس.
العلاقة الجيدة فتحتاج إلى عمل لا تنجزه الأموال وحدها: الإصغاء، والاعتذار، وتقاسم المسؤوليات، واحترام الاختلاف، والقدرة على مراجعة النفس حين يظن كل طرف أنه على حق.وتبلغ فكرتها عمقها في عبارة «الزمالة الإنسانية الحقيقية». فالزمالة تفترض إنسانين يسيران معًا، لكل منهما شخصيته وصوته وحقه في أن ينمو. لا يكفي أن يحمل الاثنان اسم العائلة نفسه، أو أن يظهرا متجاورين في الصور، كي تكون هذه الزمالة قد تحققت.قد يبقى زوجان عشرين عامًا تحت سقف واحد، بينما يعيش كل منهما وحيدًا. وقد يستمر الزواج بالخوف، أو بالحاجة المالية، أو تحت ضغط العائلة وكلام الناس. لذلك فإن عدد السنوات وحده لا يستحق التصفيق.
بل ما عاشه الاثنان خلالها: هل حفظ كل منهما كرامة الآخر؟ هل ظلّ البيت مكانًا للأمان؟ هل استطاعا الاختلاف من دون إذلال، والمحبّة من دون امتلاك؟وتروي غادة السمان أن بعض المقاطعات الصينية تؤخّر التهنئة إلى مرور عشرين عامًا. لم أجد ما يثبت هذه العادة المحدّدة، لكن سؤالها يظلّ قائمًا بقوته، سواء أمكن توثيق الحكاية أم لم يمكن.
من حق العروسين أن يفرحا ببدايتهما، ومن حق أهلهما أن يشاركوهما الأمل. لكن الأمل في نجاح الزواج يختلف عن نجاحه فعلًا.لماذا، إذًا، نعطي ليلة البداية كل هذا الاهتمام، ونمرّ أحيانًا بلا انتباه أمام اثنين تعلّما كيف يحافظان على المحبّة والاحترام وسط تعب الحياة؟أتخيّل عرسًا بعد سنوات من علاقة جيدة. يقف فيه الاثنان أمام أحبّتهما، وقد عرف كل منهما الآخر في المرض، وضيق المال، والخلاف، وتغيّر الأحلام. يأتي الضيوف هذه المرة لتهنئتهما على حياة يعرفون شيئًا منها، وعلى محبّة أثبتتها الأفعال.
إقرأ: نضال الأحمدية: طفل رغيف وحربهنا أفهم عظمة فكرة غادة السمان: إنها تطلب أن ننظر إلى الزواج من داخل الحياة وعمقها لا من سطحيتها وعاداتها..وتكتسب فكرة غادة السمان معنى إضافيًا حين نقرأها على ضوء تجربتها الشخصية. فقد تزوجت الاقتصادي والناشر اللبناني بشير الداعوق، مؤسّس «دار الطليعة»، عام 1969، وأنجبت ابنهما الوحيد اللبناني حازم في العام التالي وحين كتبت عن التهنئة التي ينبغي أن تنتظر عشرين عامًا، كانت في بداية زواجها. ثم امتدّ زواجهما نحو ثمانية وثلاثين عامًا، حتى وفاته في 11 تشرين الأول/نوفمبر 2007.لا تتيح لنا السنوات وحدها الحكم على تفاصيل حياة زوجين، لكنها تمنح كلماتها وقعًا خاصًا: صاحبة السؤال عن استحقاق التهنئة عاشت زواجًا تجاوز بكثير السنوات العشرين التي اقترحتها، وبقيت شريكة زوجها حتى رحيله

