ريما الرحباني… المرأة التي كتبها عاصي قبل أن يعرف قدرها
أحدهم يعتقد أنه يهين ريما عاصي الرحباني، والتي تسميه ريما بـ«الطبل»، فيردد بين أصحابه أن لا دور لها سوى أنها ابنة فيروز وعاصي الرحباني، وأنها شقيقة زياد.هذا الذي أحدثكم عنه لا يعرف ماذا يعني أن تكون ريما ابنة عاصي وفيروز وأخت زياد، لأنه ليس ابن أحد.ريما عاصي الرحباني مخرجة وكاتبة ومن أذكى الشخصيات التي عرفتها. كان بإمكانها أن تحقق إنجازات فنية كثيرة يعجز عنها «الطبل»، لكن لم يُسمح لها، بحكم حياتها وقدرها، إلا أن تكون أمًا لأمها، وأمًا لأبيها، وأيضًا أمًا لكل أشقائها حتى القبر.
الأمومة التي لم تخترها
أمومة ريما لم تكن خيارًا. فُرضت عليها بقوة الأمر الواقع، وبدأت تسند العائلة حين كانت لا تزال طالبة صغيرة.منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، كانت تشارك دوامًا كاملًا إلى جانب والدها عاصي الرحباني في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وتتقاسم هذا الدوام مع شقيقتها الكبرى ليال.كانت الشقيقتان تنتظران عودة والدتهما فيروز من رحلات العمل خارج لبنان، حيث كانت الست تحيي الحفلات لتدفع المبالغ الكبيرة التي كانت تتطلبها نفقات علاج عاصي الرحباني، بعدما تخلى عنه الجميع، حتى الدولة.مات عاصي سنة 1986. ارتدت فيروز وليال وريما الأسود .
ويقرر المجهول او الله ان تلتحق ليال بوالدها وبنفس المرض فأصابها ما أصابه وانفجر دماغها وماتت .ووجدت ريما نفسها وحدها إلى جانب أمها وشقيقها زياد، ومع هالي بركة البيت او ملاك البيت كما تسميه ريما.وفيما كانت العائلة تعيش كارثة موت الصبية ليال، تولّى بعض العقارب من الأقارب تلقين الصحافة والإذاعات رواية تقول إن ليال ماتت بجرعة مخدرات!فعلوا ذلك قبل أن يساعدوا حتى على إخراج جثمان ليال من المستشفى، بل وقبل أن تلفظ ليال أنفاسها الأخيرة، جلسوا جميعهم في صالون المستشفى يسألون الأطباء عما إذا كان انفجار الدماغ الذي اصاب ليال مرضًا وراثيًا. كانوا خائفين أن يصيبهم ما أصابها، لأن عاصي أيضًا انفجر دماغه، كما يعلم الجميع.وهكذا ماتت الصبية ليال عن 28 سنة فقط وحتى الآن لم اعرف كيف كانوا مرتعبين من ارث الانفجار الدماغي وكيف ركبوا خبرية ال اوفر دوز.
دفنت أباها وشقيقتها.. ثم ورثت دور ليال
ريما الصغيرة التي دفنت والدها وشقيقتها خلال عامين، وجدت نفسها ترعى زياد وابن زياد وهالي، قبل أن ينكشف لاحقًا أن ابن زياد ليس ابنه. وورثت أيضًا دور ليال في رعاية فيروز. لم تهرب من واجباتها الأخلاقية والإنسانية، بل صارت «الأم الصغيرة».
حمَتهم بما قدرت عليه، ودفّأتهم، وعاشت مثل عقرب الساعة، تستيقظ قبل زياد لتعطيه الدواء، وقبل هالي لتغيّر “النربيش” الأنبوب أو لتطعمه أو لتتصل بالإسعاف، أو لتقوم بما لا نعرفه من آلاف التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الناس، لكنها تستهلك كل عمر من يقوم بها. كبرت ريما وهي تحرس الآخرين. لم تكن فقط أختهم. كانت تلك التي تبقى مستيقظة حين ينامون، وتبقى واقفة حين يتعبون، وتبقى في البيت حين يرحلون. ثم رحل زياد ورحل هالي.
عاصي وليال وزياد وهالي تركوا ريما وحيدة تحرس القيمة العظمى في تاريخ لبنان والفن العالمي: فيروز، وتحرس معها إرث عاصي وزياد وذاكرة البيت كله.
«المقبرة مش جاهزة»سأل أحدهم ريما، بعدما عاد من بلاد الله ولم يتمكن من توديع أخويها أريد أن أزور مقبرة زياد وهالي وليال وعاصي :قالت: «لا… ليس الآن. المقبرة لا تزال غير جاهزة، تحتاج إلى ترتيب».
وسألها آخر: لماذا تركتم بيتكم في الرابية؟
أجابت: «بدو Renovation».ريما وأمها الست فيروز تركتا بيت الرابية واستأجرتا بيتًا مؤقتًا ريثما تعودان إليه بعد ترميمه.لكن هل الحكاية فعلًا مجرد Renovation؟أم أن ريما والست لا تستطيعان الآن البقاء في بيت لم يعد فيه زياد ولا هالي؟زياد، قبل سنة وأكثر، عاش مع ريما وفيروز، وكان يتنقل بين بيت العائلة في الرابية وبيته في الحمرا.وفجأة صار البيت الذي كان يتحرك فيه زياد وهالي بيتًا آخر.وحين تسألون ريما، لا تقول كل هذا. تقول ببساطة: «البيت بدو رينوفايشن».وحين تسألونها عن المقبرة التي صار فيها والدها وأشقاؤها الثلاثة، لا تفتح لك أبواب الحزن ولا تقيم مأتمًا بالكلمات. تقول:«المقبرة مش جاهزة لتروحوا عليها.. كمان بدا رينوفايشن».وهنا تحديدًا، تتجلى أمامي روح ريما الرحباني التي أراقبها منذ نحو 16 سنة.لأن هذه المرأة، بطريقة تدعو إلى الدهشة والتأمل، تشبه نساءً كتبهن والدها قبل عقود.كأن عاصي الرحباني كتب قدر «آخر عنقود البيت» قبل أن يعرف ماذا سيفعل القدر بابنته الصغيرة.
ريما خرجت من نصوص عاصي
من يقرأ أعمال عاصي الرحباني وشقيقه سيشعر بدهشة حقيقية أمام عدد الشخصيات والنصوص التي تبدو اليوم كأنها ترسم ريما رسمًا دقيقًا.كتب عاصي وشقيقه كثيرًا عن «أنثى الحراسة». عن المرأة التي تبني بيتها من الغياب، وتقف على الثغور لتحمي الذاكرة والضيعة والأهل حين يرحل الجميع أو يتوهون.نساء البيوت العتيقة في فيروزيات عاصي ونصوصه، كما في «بيتي أنا بيتك»، يعُدن دائمًا إلى الصورة نفسها: امرأة تلملم التفاصيل، تقفل الأبواب في وجه الريح، تنتظر الراحلين أو ترتب أثرهم.نساء عاصي الرحباني وشقيقه هنّ اللواتي يُحطن بيوتهن بحرص شديد، ويصنّ أحزانهن وعزتهن خلف الأبواب المغلقة قبل أن يدخل غريب أو يمر عابر.حتى لغة ريما تبدو أحيانًا كأنها خرجت من تلك النصوص.البيت «بدو رينوفايشن».المقبرة «مش جاهزة».كأنها ترفض أن يدخل الغريب إلى البيت قبل أن يُرفع الضيم ويُرتّب الحزن.زاد الخير.. حارسة المفاتيحوفي «ناطورة المفاتيح» عام 1972 نجد «زاد الخير». حين يرحل الناس وتُترك البيوت، تبقى هي.الأنثى الصامتة، الصلبة، التي تحرس ما بقي وتدافع عن حقها وكرامتها أمام السلطة المتعسفة وامام الغياب.هي المرأة التي ترتبط في المسرحية بالمفاتيح والبيوت المهجورة وبفكرة البقاء حين يرحل الآخرون.وريما تقف اليوم كـ«زاد الخير» أمام هجوم السطحيين والتافهين، وأمام من تسميه «الطبل»، تحمي بيت العائلة وحق والدها وأمها وأشقائها الثلاثة الراحلين، بصلابة وعناد لا يفهمهما من يقتصر نظره على المظاهر.غربة.. ابنة الأب المقتولثم تأتي «غربة» في «جبال الصوان». غربة، الابنة التي تعود إلى أرض أبيها مدلج بعد مقتله، لتحمل وصيته وتواجه الباطل وتجمع الناس حول الفكرة والتاريخ، متخلية عن حياتها الشخصية وشبابها من أجل حراسة الأرض والاسم.ريما هي «غربة» الحقيقية. حملت إرث عاصي، وثقل حضور فيروز، وذاكرة زياد وهالي وليال، ووضعت إمكاناتها في خدمة هذا الهيكل العائلي المجيد بدل أن تبحث عن مجد شخصي.كان بإمكان ريما الرحباني أن تكون في مكان آخر تمامًا. أن تصنع أفلامها. أن تكتب، أن تخرج، أن تسافر، أن تبني اسمًا منفصلًا عن الجميع، لكنها بقيت.
وريما لم تفعل في حياتها إلا أنها جسدت، من دون أن تقصد، البطلات اللواتي كتبها والدها قبل عقود.وصارت زاد الخير حين رحل الآخرون وناطورة المفاتيح المفاتيح.
وصارت غربة حين صار عليها أن تحمل اسم أبيها وذاكرته.واليوم تقف ريما عاصي الرحباني عند آخر باب، بين فيروز من جهة، وعاصي وليال وزياد وهالي من الجهة الأخرى.هي آخر حارسات البيت. الجدار الأخير الذي لا يسقط.
نضال الأحمدية

