لماذا تبدو اللهجة التونسية قريبة من اللبنانية؟
لبنان وتونس يفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكن حين يتحدث التونسي، يلتقط اللبناني نغمة مألوفة وعلى الفور.وليس الأمر مجرد كلمات مشتركة.إنه الإيقاع، وتخفيف اللفظ، وطريقة رمي الجملة، وعدم تحميل الحروف أكثر مما تحتمل.وهذه مسألة لا تظهر بسهولة في القواميس، لأنها تُسمع أكثر مما تُقرأ.
اقرأ: ريما الرحباني تروي ماذا كان يفعل منصور الرحباني ضد فيروزيقول التونسي: قدّاش؟ ونقول في لبنان: قدّيش؟يقول: يعيّشك. ونقول: تعيش.يقول: برّا. ونقول: برّا.يقول: هكّا. ونقول: هيك أو هيكي.يقول: هوني. ونقول: هون وبل في الجبال نقول هوني.يقول: شويّة. ونقول: شوي.يقول: ما عادش. ونقول: ما عاد.يقول: نحبّ. ونقول: نحب.يقول: نستنى. ونقول: نستنى.يقول: موش. ونقول: مش.يقول: معليش. ونقول: معلش.
اقرأ: فضل شاكر لماذا اختفت أغانيه رغم اكتساحهاحتى حين تختلف الكلمة، يبقى تركيب الجملة مألوفًا. التونسي يقول «رد بالك»، واللبناني يقول «خود بالك». الفعل تغير، لكن «بالك» بقيت والموسيقى قريبة.والتونسي يقول «على خاطرك»، فيما اللبناني يختصرها تلقائيًا إلى «عَ خاطرك بدون ل، وكي تصبح وداعا نقول بخاطرك».وهنا نصل إلى ما هو أهم من المفردات: اللهجتان تميلان إلى الاقتصاد في الصوت.الكلمة تُختصر، والحركة تخف، والجملة تجري بسرعة، ولا يشعر المتكلم بأنه مضطر إلى إعطاء كل حرف وزنه الفصيح الكامل.وهذا يفسر لماذا يشعر اللبناني بالقرب من التونسي حتى عندما لا يفهم كل ما يقوله.خذوا مثلًا «ياخي» التونسية.
اقرأ: حرية الصحافة والقضاء السياسي من فضل شاكر إلى حسن عليققد تبدو للوهلة الأولى مختلفة عن «يا خيي» اللبنانية، لكن المثير هو الوظيفة التي تؤديها النبرة.نحن في لبنان نقول «يا خيي» ولا نقصد الأخ بالضرورة.«يا خيي!» قد تعني: ولو! «يا رجل شو بدك؟» قد تحمل الضيق «يا خيي اعملها كرمالي» تصبح رجاءً. «لا يا خيي!» تصبح رفضًا.«يا خيي ما هيك!» تصبح عتبًا ولومًا.أي أن العبارة خرجت من معناها الحرفي وصارت أداة انفعالية موسيقية، تحدد النبرة معناها، أكثر مما يحدده القاموس.وهذا قريب وظيفيًا من استعمالات تونسية لـ«ياخي».
اقرأ: نيشان مع اوبرا وينفري كواليس واعترافاتلكن أين يكمن الشبه الحقيقي؟
في الفم والأذن. معظم العرب يستطيعون أن يقولوا «يا أخي»، لكن «يا أخي» ليست صوتًا واحدًا في العالم العربي.يمكن أن تسمعها ثقيلة، واضحة المقاطع: يا أَخي.بينما اللبناني يسحق المسافة بين الكلمتين حتى تصبح «يا خيي»، ويرميها ضمن الجملة كأنها نغمة وليست كلمتين منفصلتين.والتونسي يفعل شيئًا قريبًا في عدد كبير من عباراته: يختصر، يسرّع، ويخفف الانتقال بين الأصوات.حتى حين ننطق كلمة فصيحة مثل «القرآن»، نحن لا نحتاج إلى تضخيمها أو مدّ أصواتها وإثقال الراء والقاف حتى تصبح في الأذن شيئًا مثل «القوررآن». نقول ببساطة: القرآن. المسألة ليست أن التونسية واللبنانية خاليتان من الأصوات المفخمة، فهذا غير صحيح لغويًا.المقصود هو الانطباع الصوتي العام لبعض الكلام: الخفة، والسرعة، والاقتصاد في الحركات، وعدم استعراض مخارج الحروف.وهذا يخلق موسيقى متقاربة أحيانًا رغم البعد الجغرافي الهائل.
سلام من لبنان إلى تونس الخضرا

